السبت، 26 مايو، 2012

نقض الفلسفة السياسية الحديثة نموذج ليو شتراوس

نقض الفلسفة السياسية الحديثة نموذج ليو شتراوس

                                                                                                                       
عبد الرحيم صادقي
تقديم: 
من البين أن لُحمة الفلسفة السياسية قائمة بمجموع عناصر متداخلة:

الأول: السياسة بما هي حِراك اجتماعي في زمان ومكان مخصوصين.
الثاني: النظر في ذلك بما هو تجريد عقلي يتغيَّى البحث في أصول الحراك الفلسفية، قصد التأسيس النظري لاجتماع بشري أمثل.وأما الثالث: فالنظر الديني للموضوع السياسي، ذلك أن الدين بيان إلهي للعلاقات النموذجية التي ينبغي أن تسود بين بني البشر، فضلا عن أنه توجيه رباني للإنسان كيما تكمُل صلته بربه. ولئن كان من شأن الدين أن ينظم علاقات الناس بعضهم ببعض، فقد لزم أن يكون تشريعا لقواعد الحكم الأصلح، أو قل وضعا لقوانينَ لسياسة الدنيا.....
ولذلكم قصد هذا البحث النظر في الفلسفة السياسية الغربية الحديثة من خلال نموذج نقدي عدَّد زوايا النظر، مصطحبا لمنهج مقارن، حيث تَمْثُل الفلسفة السياسية الحديثة بإزاء الفلسفة السياسية الكلاسيكية، فتُدينُ الفلسفة الثانية الفلسفة الأولى في الغالب الأعم. وأما النموذج المقصود فهو ليو شتراوس (Leo Strauss).


ولقد قسمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث:


الأول عن السياسة والأخلاق.


والثاني عن أزمة الفلسفة الحديثة.


بينما تعرضت في المبحث الثالث لمأزق الحداثة، ثم ختمت البحث بنتائج مُحصَّلة وبعض من الآفاق النقدية.




تمهيد حول فلسفة شتراوس السياسية


«لن نتردد في التأكيد، مثلما أكد كثيرون من قبلنا… بأن


تعاليم ماكيافيلي منافية للأخلاق والدين»


ليو شتراوس


ثالوث فكري شكل فلسفة شتراوس السياسية: الأخلاق، السياسة، الحداثة. فالعناصر الثلاثة تتداخل تداخلا يصعب معه الفصل بين عنصر وعنصر، ولذلك فلا عجب أن وجدنا أن الفكر السياسي الغربي تتسع دائرته بقدر الجدل القائم حول نمط العلاقة بين السياسة والدين خاصة.


وبحسب العلاقات المنشأة بين العناصر مجتمعة تتحدد طبيعة النظام السياسي الأمثل. فالسياسية بلا أخلاق معناه غياب المثل الأعلى الذي يضع معالم النظام المثالي على طريق الإنسان الباحث عن السعادة. أو لنقل: السياسة دون أخلاق معناه حداثة سياسية، لا تعترف إلا بالقيم العقلية وبالإرادة البشرية. فليس هناك مطلق فوق الإنسان، أو معيار خارجي يقيس به ذاته، بل الإنسان مقياس نفسه، وصانع قيمه ومثله.


من هنا بداية أزمة الفلسفة السياسية الحديثة، وهنا يكمن سر المأزق الحداثي وخراب الفلسفات المادية النفعية.


إن تاريخ الانتكاس السياسي ومساره كما دونه شتراوس، تطور وفق المخطط الآتي:


•· قطع الصلة مع الفلسفة السياسية الكلاسيكية أدى إلى قطع الصلة مع “المَثَل”، أي مع المقدس، سواء أكان هذا المثل “طبيعة” أم “دنيا”.


•· هذه القطيعة لم تكن دون نتائج، ومن أولى نتائجها وأخطرها، فراغ على مستوى القيم وغياب المحفزات الخلقية الضرورية لكل فعل بشري. ووعيا منها بضرورة النموذج للحياة البشرية، اصطنعت الحداثة السياسية أخلاقا أرضية اعتقادا منها أن معرفة الواجب لا تستلزم “الدين” أو “الطبيعة” بالضرورة.


•· ولما كانت هذه الأخلاق الأرضية متصفة بالنقص، فإنها لم تسعف الإنسان في إدراك معنى الخير والحق والعدل وباقي القيم، ومن ثم تَمثُّلها.


•· الشيء الذي اضطر الحداثة السياسية إلى إنكار أن يكون لهذه القيم وجود موضوعي، أو أن تكون معبرة عن حقيقة ما. وهكذا صيغت القوانين الوضعية بمعزل عن قانون الطبيعة والحق الطبيعي. ولذلك لم يتمكن القانون الوضعي من الرقي إلى منزلة الحق، كما لم يجسد العدل بالضرورة، وهذا ما يفسر تعرضه للخرق والتجاوز باستمرار[1].


إن الفلسفة السياسية الحديثة نجحت في عملية الهدم، ولكنها أخفقت في البناء. وهنا مأزق الحداثة.




المبحث الأول: السياسة والأخلاق


يكتسي الحديث عن موضوع الأخلاق أهمية بالغة، ويصبح الموضوع مثيرا للجدل إذا ما قُرِن بالسياسة. “فهنالك ارتباط وثيق بين الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق في الفكر المعاصر”[2]، كما في الفكر القديم على السواء. فقد كانت غاية الفلسفة السياسية الكلاسيكية عند اليونان هي البحث في طبيعة النظام المثالي، ومعرفة كيفية إنشاء مجتمع صالح قوامه الفضيلة. نقرأ لشتراوس في كتابه عن الاستبداد ما يأتي: “لقد كانت غاية علم السياسة الكلاسيكي كمال الإنسان. وقد بلغ هذا العلم أوْجَهُ مع البحث في ماهية النظام السياسي الأفضل”[3].


ولكن مع بزوغ فجر العصر الحديث ظهرت آراء ومذاهب فكرية تدعو إلى تقليص مجال الأخلاق الذي كان يطال مناحي الحياة كلها. وذلك قبل أن يُفْصَل ما هو ديني عما هو سياسي، فينحل الوثاق بين الأرض والسماء، بتعبير ديدرو. يقول “دومنيك لوكور” (Dominique Lecourt): “لقد كان لفظ “السعادة” الحلقة التي استخدمها فلاسفة القرن الثامن عشر للربط بين الأخلاق والسياسية”[4]. فحيث استقلت السياسة عن الأخلاق فلا سعادة. وإلى حدود ما قبل عصر “الأنوار” لم يكن بالإمكان تصور سياسة أو اقتصاد أو علم… بمعزل عن موضوع الأخلاق.


حدثت القطيعة أول ما حدثت بين السياسة والأخلاق، وكان ذلك على يد مكيافيلي، وهو على كل حال “يعترف في كتابه “الأمير” أنه يسلك طريقا لم يسبق إليه”[5]. يقول شتراوس: “لا بد من الرجوع إلى أصل الفلسفة السياسية الحديثة، يعني إلى مكيافيلي، لمعرفة كيف أُلغيت الحدود. “فالأمير” لم يميز بين “الملك” و”المستبد”[6]. هكذا أصبح الاستبداد نظاما في الحكم يحظى بالشرعية والاحترام. ولذلكم يَرُدُّ شتراوس سبب إخفاق علم السياسة المعاصر إلى إقصائه أحكام القيمة، أي الأخلاق. يقول شتراوس: “ليس صدفة أن علم السياسة الحالي لم يوفق في فهم ظاهرة الاستبداد من كل جوانبها الفهم المطلوب. ذلك أن هذا العلم يقصي أحكام القيمة من الأبحاث العلمية. وغير خاف أن وصف نظام ما بالاستبداد يعتبر إصدارا لحكم قيمي… بإمكان مختص في علم السياسة أن يتكلم عن ديكتاتورية أو شمولية أو سلطوية… إلخ. وسيكون من حقه -بوصفه مواطنا- أن يرفض أنظمة الحكم هذه”[7]. أمَّا أن يذمها أو يصفها بقدح فهو خروج عن حدود العلم. ألم يُعرِّف هوبز الجَوْرَ بقوله: “هو عدم تطبيق الاتفاقيات”[8]؟! ومن ثم يكون العدل ما اجتمع عليه الناس، أو هو ما تعاقدت عليه الأطراف المعنية.


يصور “فريديريك تيليي” (Frederic Tellier) المهمة الخطيرة التي قام بها كل من مكيافيلي وهوبز، ومساعيهما الحثيثة للفصل بين السياسة والأخلاق فيقول: “إن مكيافيلي شاهد على طرح غايات الكلاسيكيين ونبذها، وعلى الفصل ما بين الواقع والواجب. أما عند هوبز -”الذي شيد مذهبه السياسي على قارة مكيافيلي”[9]- فليس المجتمع إلا نتيجة غريزة إنسانية: الخوف من الموت. يختزل هوبز الطبيعة البشرية في رغبة مُلِحة تخرج الإنسان من طبيعته (dénaturer). إن المسألة السياسية -يضيف تيليي- تنتمي إلى حقل العقل الأداتي، ولا تُعنى بتربية روحية. إنها لا تَصْدُرُ عن طبيعة بشرية، وإنما تنبع من أنثروبولوجيا تنزع إلى تجزيء هذه الطبيعة وإخضاعِها لتَوجُّهٍ نظري تُدرَك من خلاله (أي الطبيعة البشرية)”[10].


هكذا يقف هوبز ليعلن أن الخوف صانع الاجتماع، وأن الموت المؤلم و العنيف هو وحده قاهر غرور الإنسان وكبريائه. ذلك أن الإنسان يعيش على وهم معرفة الحقيقة، دونما حاجة إلى الآخرين من بني جنسه[11]، كما وقف مكيافيلي مِن قبله ليعلن أن الغايات تبرر الوسائل، وأن الوسيلة ليست من جنس الغاية.


هوبز مُنَظِّراً للعبودية، ومكيافيلي مُشَرِّعاً للاستبداد، هما قطبا العلمنة السياسية، وباكورة الثورة على المقدس. لا نضيف جديدا إذا قلنا وباختصار إنهما حاملا مشعل الحداثة السياسية، ذلك المشروع الذي أتمَّهُ “لوك” وفلاسفة “الأنوار” بنجاح تفكراً وتنظيراً، وجعلته الثورة الفرنسية واقعاً معيشاً وممارسة حية. يقول “لوك فيري” (Luc Ferry) مؤكدا انفصال السياسة عن الدين في أوروبا الحديثة: “لم يعد الإيمان بالله يشكل أرضية فضائنا السياسي… لقد فقدت القيم الأخلاقية والقانونية والجمالية والسياسية قدسيتها، أو على الأقل قطعت كل صلة لها مع الدين والوحي”[12]. ويبين “فيري” كيف نُقِضت عروة الدين والسياسة فيقول: “لقد كان وراء الثورة الدينية التي جعلت -وما تزال- من أوروبا قارة معزولة عن العالم ما يمكن أن نسميه “اللحظة الديكارتية”: إنها رَدَّةُ فعل تتحدى العقائد المفروضة…فما كرَّسه ديكارت في الفلسفة من خلال “تأملاته”، ستنقله الثورة بعد قرن ونصف إلى ساحة الفعل. إن مسح الطاولة وتوجيه سهام النقد والشك صوب الآراء والعقائد والأحكام المسبقة الموروثة عن الماضي أو القادمة من خارج، معناه عدم الإقرار إلا بما أثبتناه بأنفسنا وعن طريق قدراتنا الذاتية”[13].


ولقد كنا في غنى عن إطالة القول في هذه النقطة بالذات لولا وجود وجهات نظر معارضة ما فتئت تتأول أعمال مكيافيلي الفكرية، وتأبى أن ترى في مذهبه السياسي دعما للاستبداد وتشريعا له. فمن باب الإنصاف إذن أن نعرض لوجهة النظر الداعمة للخطاب المكيافيلي، قبل أن نغلق باب النقاش في السياسة والأخلاق.


نختار هنا “بيير مانو” (Pierre Manent) نموذجا مشايعا لمكيافيلي، فهو يعتبره أب الفلسفة العلمية الواقعية. يقول “مانو”: “إذا كان مكيافيلي يصرح بانشغاله بوصف حياة الناس كما هي، فإن مشروعه لا يقف عند هذا الحد. فالوصف عند مكيافيلي يتطور ليصير توجيهات عملية لقارئ طموح على الأقل”[14]. إنه خطاب الحاضر يؤسس خطاب الأمر والواجب، فلا حاجة لخطاب مباشر وصريح. وينفي “مانو” أن تكون أعمال مكيافيلي الفكرية سندا للاستبداد. إنه أمر فهمه قراؤه المستهدفون[15]. هكذا يُقدَّم مكيافيلي في إهاب مجدد للفكر السياسي، وداعية محنكا يتقن لغة الممكن ومقتضيات الواقع وإكراهات المرحلة، خلافا لمثالية سياسية لا تسأم من التعبد في محراب الطبيعة.


خلافا لذلك، يرفض شتراوس هذه القراءات التفكيكية -التي تأبى إلا أن ترى في نصوص مكيافيلي ظاهرا وباطنا- رفضا جازما. فليس مكيافيلي إلا محاربا للأخلاق والفضيلة، غير عابئ بالبحث عما هو “المجتمع الصالح” أو “النظام الأمثل”. لقد خصص شتراوس شطرا مهما من الفصل الخامس من كتابه “الحق الطبيعي والتاريخ” لبيان العلاقة بين مكيافيلي وهوبز، ورسالتهما لعلمنة السياسة والقطع مع الوحي والدين. إنه موقف يؤكده شتراوس في قوة وإصرار في كتابه عن مكيافيلي، حيث يقول: “لن نتردد في التأكيد، مثلما أكد كثيرون من قبلنا… بأن تعاليم مكيافيلي منافية للأخلاق والدين”[16].


نذكر أيضا من بين المساعي المعاصرة لتنقية القانون من كل العناصر الأخلاقية والميتافيزيقية جهود “كلسن” (Kelsen)، فها هو يقول: “يجب -قبل كل شيء- أن نفك الرباط بين القانون والأخلاق”[17]. غير أن فصل السياسة والقانون عن الدين والأخلاق أنتج مشكل السلطة[18]، وعنها تولد مشكل الشرعية، ذلك أن السلطة إما شرعية أو غير شرعية. مما سيدفع بالفلسفة السياسية الحديثة إلى النفق الضيق، لتتولد بعد ذلك الأزمة، فالإخفاق.






المبحث الثاني: أزمة الفلسفة السياسية الحديثة وإخفاقها


إن الحكم على الفلسفة السياسية الحديثة بالفشل أو النجاح لا معنى له في غياب مقياس يستند إليه في اتخاذ هذا الموقف أو ذاك، أو تبني هذا الرأي وطرح الآخر. ولعل محاكمة تاريخ الفلسفة السياسية على ضوء الغايات التي رسمتها لنفسها هو خير مقياس نتوسل به لمعرفة ما إن كانت الفلسفة السياسية أصابت أهدافها أم أخطأتها.


يرى “ألان رونو” (Alain Renaut) -ومن شايعه- أن الفلسفة السياسية حققت أهدافها بنجاح تام. فتساؤلها الدائم من أرسطو إلى روسو كان حول السلطة الشرعية: “لمن تكون السلطة؟”، ذلكم هو السؤال. ولكن بعد أن أصبح الشعب مصدر السلطة وصاحب السيادة، لم يعد للسؤال أي معنى. صحيح أن أسئلة جديدة طفت على السطح -يقول رونو- من قبيل التساؤل عن العلاقة بين الدولة والمجتمع وعن حدود الدولة (بما في ذلك الدولة الديمقراطية)، إن كانت هناك حدود، غير أن مسألة السيادة لم تعد موضوع نقاش من أي كان[19].


بيد أن شتراوس لا يقف بالفلسفة السياسية عند هذا الحد فقط، فهو يرى أن غاية السياسة كمال الإنسان وسعادته كما مر بنا في المبحث الأول. بناءً على هذا التصور لمهام السياسة، لا يتردد شتراوس في إدانة الفلسفة السياسية الحديثة، والحكم عليها بالإخفاق في مهمتها الرئيسة، ألا وهي إقامة نظام مثالي، ينعم فيه الإنسان بالأمن والطمأنينة، ويجد فيه سعادته القصوى.


يعتقد شتراوس أن أزمة الفكر السياسي الحديث ابتدأت منذ قطع هذا الفكر صلته مع الفلسفة القديمة. »لنوضح كرونولوجيا القطيعة، كما صورها شتراوس نفسه فيما سماه بالموجات الثلاث للحداثة:


أ- الحق الطبيعي الحديث: مفهوم أبدعه مكيافيلي وطوَّره كل من هوبز وسبينوزا وديكارت ولوك.


ب- أزمة الحق الطبيعي الحديث وظهور فكرة “التاريخ”: وهو ما دشنه روسو، وأقام دعائمه كل من كانط وهيجل.


ﺠ- التاريخانية الجذرية (الراديكالية): التي دشنها “نيتشه” (Nietzsche)، وبلغت أوجها مع “هيدجر”[20] «(Heidegger).


هكذا أخذ الفكر السياسي -حسب هذا المنحى الشكي المتصاعد- على عاتقه مهمة القضاء على ثنائية العقل المفارق، الذي لا يمكن بلوغه وإنما الاهتداء به فقط، والفعل البشري المتقلب في كنف التاريخ بين الخير والشر. إنها المهمة التي كشف عنها شتراوس حسب “بيير مانو”[21].


تتلاشى إذن الفواصل بين الفكر السياسي الحديث والتاريخانية والحداثة، لتتخندق كلها في خندق واحد، معلنة فشلها الذريع في إقامة مملكة البشر السعيدة على وجه الأرض.


وعلى فرض نجاح الفلسفة السياسية الحديثة -كما يدعي رونو- في مهمتها، ألا وهي حسم مسألة السيادة، بعد أن جعلتها في يد الشعب، فقد فشلت بعد ذلك في إقامة دولة الحق والقانون. إذ لا تلازم بين أن يكون الشعب حاكم نفسه وحصول الرضى والارتياح لمآلات حكمه. وسواء أكانت الحكومة حكومة أقلية أم حكومة أغلبية فذلك لا يغير من الأمر شيئا. ولذلك لم يربط “بيرك” (Burke) بين صلاح الحكومة وحكومة الأكثرية. كما لم يعلق تمتع الفرد بحقوقه كاملة على مشاركته في السلطة، وإنما قصر حقه على حكومة تُشبِع حاجات الناس وترعى الفضيلة[22].


لاحظ شتراوس أن الإنسان لا يتردد في خرق القوانين الوضعية بين الفينة والأخرى، وهو ما دعاه إلى استنتاج محدودية هذه القوانين، ومن ثم الحكم على الفلسفة السياسية بالفشل. إذ لا معنى عنده لهذا التمرد غير خيبة أمل الإنسان في تحقيق آماله وراحته الجسدية والنفسية، والتطلع إلى نظام أمثل وأكمل تُشبَع فيه هذه الرغبات والميول.


لا عبرة إذن بمسألة السيادة ولا قيمة لنظام -كيفما كان- لا يحقق سعادة الفرد. هكذا تتساوى الديمقراطية والديكتاتورية، المَلكية الدستورية والملكية المطلقة…وهلم جرا، إذا فشلت هذه في تحقيق ذلك المطلب الشريف: سعادة الإنسان، وصون كرامته، وذلك بلزوم الحق والعدل الذي لا يتأتى إلا بلزوم الفضيلة ومكارم الأخلاق. لا عبرة بنظام يكرس شقاء الإنسان وضياعه حتى ولو كان هذا حاكمَ نفسه وسيدَها، طالما أن حكمه هذا وسيادته تلك يؤولان به في نهاية المطاف إلى عبودية مطلقة، تُقدَّس فيها الأهواء والشهوات. لكن أينسحب ما تقرر آنفا على نظام الديمقراطية أيضا؟


أ- الديمقراطية: هل هي الشر الذي لا بد منه؟


لئن كان أفلاطون يعتبر الديمقراطية أفسد نظام لكونها أشركت الغوغاء في أمر لا يصلح له إلا الحكماء، فإن شتراوس يجزم بكونها نظاما سيئا رغم مظاهر الإغراء والفتنة التي تحوزها.


إن الديمقراطية التي طالما عُدَّت نموذج الحكم المثالي بلا منازع، وخير ما تمخضت عنه عبقرية الفكر السياسي الغربي الحديث وعصارة ما أنتجه عقل “الأنوار” في مجال السياسة، أخطأت غايتها. ويبدو أنها لم تنتج غير الحيرة والضياع، وما ذلك إلا لأنها قامت ضدا على طبائع الأشياء ونواميس الكون والحياة. فلقد ألْغَت الطبيعةَ فانتقض المثالُ وانتصبَ الإنسان بدلها، فأصبح الإنسان مقياس نفسه ومثال ذاته.


هل يكون شتراوس متحاملا على الفكر السياسي الحديث غاية التحامل، مبالغا في تشاؤمه أبعد التشاؤم؟ لن نجانب الصواب إذا قلنا إن شتراوس عَبَّر خير تعبير عن أزمة الغرب الحديث، ووَصَفَهُ خير الوصف وهو يتخبط في مسيرته الفلسفية، ويتأرجح بين كر وفر. ولكن، أي تحامل وأي مبالغة؟! ألا يشاطر الكثير من المفكرين الغربيين المعاصرين شتراوس الرأي، ويقفون الموقف نفسه من إبداعات الغرب السياسية وغير السياسية؟!














ب- العدالة الاقتصادية: الغائب الأكبر


لنقفْ هنا وقفة مع أحد نقاد النظام السياسي الغربي. يقول “ألان تورين” (Alain Touraine): “إن رجال الدولة ومفكريها الليبراليين كلهم مقتنعون بمخاطر الديمقراطية، وليس هنالك موضوع أكثر حضورا عند المفكرين الأمريكيين المنشغلين بالنظام الأمريكي، الذي جاء بعد معركة ونضال من أجل الاستقلال، من موضوع استبداد الأغلبية”[23]. والموضوع نفسه استأثر باهتمام كبار المفكرين، من أمثال توكفيل (Tocqueville)، وكيزو (Guizot)، ورويي كولا (Royei-golla)، وروبير دال (Robert Dahl)[24].


إن توكفيل يشير -في أغلب الأحيان- بلفظ الديمقراطية إلى حالة المجتمع لا إلى نوع الحكومة[25]. فالديمقراطية تعني عنده اختفاء الفوارق الطبقية والامتيازات، وهي مساواة اقتصادية وتماثل في نمط العيش. هذا المعنى الاجتماعي للديمقراطية (وليس السياسي) هو ما سعى “توكفيل” إلى إبرازه في كتابه “الديمقراطية في أمريكا”[26]. هكذا أصبح الحديث عن الديمقراطية في الغرب حديثا عن ضمانات: “كيف تكون الديمقراطية فعلا نظاما للمساواة واحترام الحقوق، بما في ذلك حقوق الأقليات؟ ما هي الشروط التي تمنع من أن تؤدي الحرية إلى الاستعباد، مثل ما هو الشأن مع المبدأ الاقتصادي الرأسمالي “دعه يعمل” (le laissez faire)؟؟ حيث يسيطر أرباب العمل والملاك الكبار باسم هذا المبدأ على المناجم وخيرات الأرض المتنوعة وثروات البحار…، ما هذا النظام الذي يقول للفقير أنت حر في أن تستأجر غرفة في فندق من خمس نجوم؟ ما العلاقة بين الحرية والمساواة؟ عن أي مساواة نتكلم حين نقول للذئب والحَمَل: أنتما حُرَّان؟”[27].


هذه بعض من الأسئلة التي أحرجت -وما تزال- مُنَظِّري الفكر السياسي الليبرالي المعاصر. لم يعد بالإمكان تصور نظام ديمقراطي دون حل المسألة الاقتصادية. وإذا كانت الحرية السياسية لا تتحقق إلا بحرية اقتصادية، “إذ الذين ليس بحوزتهم شيء يخشون فقده، لا يتوانَوْن عن بيع حرياتهم مقابل قطعة خبز”، كما يقول شتراوس[28]، فما هي ضوابط الحرية الاقتصادية حتى لا ينقلب النظام الديمقراطي إلى نظام عبودي؟


يقترح “روبيرت ماكيفر” (Robert Mciver) مبدأين كيما تكون الديمقراطية نظاما صالحا:


* المبدأ الأول هو أنه لا يجوز مطلقا أن يُسمَحَ للحكومة بأن تفرض سيطرتها على حياة الجماعة الثقافية…


* المبدأ الثاني أنه لا يجوز أن تحتكر الحكومة السيطرة في النظام الاقتصادي النفعي…[29].


لا يبتعد “جون راولز” (John Rawls) عن اقتراح ماكيفر وهو يحاول جبرَ كسور الديمقراطية من خلال نظرية العدالة (Theory of justice: 1971). وهو ما سماه ألان رونو “إصلاحية ديمقراطية اجتماعية”. وهكذا وضع “راولز” مبدأين للعدالة:


* تساوي الأفراد في الحريات.


* تنظيم الفوارق الاجتماعية والاقتصادية على نحو يحقق مصلحة الجميع من جهة، وتكافؤ الفرص بين جميع أفراد المجتمع من جهة أخرى.


وبالمبدأين معا تُضْمَنُ الحريات الرئيسة وتتحقق الكرامة الإنسانية مع الإقرار بوجود فوارق لا ترتفع، لكنها لا تضر[30]. ومع ذلك ينبه “راولز” على شيء من الغموض في القول بـ”مصلحة كل فرد” و”تكافؤ الفرص”. وهو ما يحاول أن يعالجه ليُعدِّل من مبدأ العدالة…


هكذا تَبَدَّى لأنصار الديمقراطية أن العامل الاقتصادي من أهم العقبات التي تتهدد النظام الديمقراطي، وأنه لا عدالة سياسية بلا عدالة اقتصادية. وأصبح باديا للعيان أن الحكم من نصيب أرباب المال “وأن السلطة السياسية تستند إلى سلطة اقتصادية”[31]، مما يعمق الفوارق الطبقية داخل المجتمع ويَحُول دون قيام مساواة وحرية حقيقيتين. بل وُجِدَ من المفكرين الغربيين من يعتقد أن حصول المساواة والحرية معا ضرب من المستحيل. فهذا “برلن” (Berlin) يقول: “الحرية والمساواة، العفوية والأمن، السعادة والمعرفة، الرحمة والعدالة، قيم عليا، على الإنسان أن يبحث عنها كل واحدة على حدة، مستقلة بعضها عن بعض، إذ لا يمكن إشباعها جميعها في الوقت نفسه، بل لا بد من الاختيار”[32].


لم يكن هنالك بد من أن تفجر الديمقراطية صراعا بين الدولة والمجتمع، بين الفرد والدولة، وبين الفردوالمجتمع، ثم أخيرا بين الفرد من جهة والدولة والمجتمع من جهة أخرى. يقول جون بيير دوبيJ-P Dupuy على لسان الاقتصاديين الجدد (les nouveaux économistes): “لحماية الحريات الفردية من خطر تصاعد الدولة البيروقراطية وسرطان المجتمع الموجَّه، لا بد من الدفاع عن الاقتصاد الرأسمالي عاجلا”[33].


هكذا تُجمِعُ الآراء السابقة على أن ما يهدد النظام الديمقراطي هي الطبقة الأرستقراطية. يقول توكفيل: “إن الديمقراطية تنافي الأرستقراطية”[34].


وأيا ما يكن الأمر فإن الديمقراطية لم تَسْلَم من النقد والمراجعة، ومن ثم كان لا مناص من هذه الترقيعات الفكرية والحُقَنِ المُهيِّجة في منظومةٍ مؤمنة بالديمقراطية نظاما مثاليا، نظاما لا غنى عنه لدولة تَنْشُدُ الحق والعدل. وذلك رغم اعترافها بأن الديمقراطية أصعبُ النظم تحقيقا، لأنها تتطلب وجود الفضيلة التي هي شعورٌ بمسؤولية كل واحد أمام الجميع، كما يقول مونتسكيو.


ولكن، هل لنا أن نتساءل -وقد اتسع الخرق على الراقع- إلى متى ستسمر هذه الترقيعات التي لا تَنْفُذُ إلى جوهر المشكل؟ إلامَ البحث عن النظام المثالي؟ ولِمَ لم يتمكن الإنسان الغربي من تشييد مجتمع العدالة والقانون والحرية والمساواة؟ “أَلِأَنَّ عشرين قرنا مدة غير كافية لبلوغ الخير المنشود والسعادة المفقودة”، كما تساءل “بيرك” في استنكار؟[35] أم لأنه لا وجود لعالَم مثالي أصلا كما يزعم “برلن”؟ أَلَمْ يقل هذا المفكر: “إن العالم المثالي ليس فقط غير قابل للتحقق بل وغير قابل للإدراك أيضا، وكل من يدعي غير ذلك فهو سوفسطائي”؟[36].


أليس من حق شتراوس أن يرفض نظاما -وليكن إصلاحيا ديمقراطيا اجتماعيا- يراعي الوسائل أكثر من مراعاته للغايات؟ غير أن هنالك سؤالا يستدعي النظر قبل غيره من الأسئلة، إنه التساؤل عن سبب الأزمة، عن سبب هذا التيه والقلق في دولة الرفاه. لِمَ لَمْ تُحقِّق الديمقراطية سعادةَ الإنسان الغربي؟ أليس الإنسان قد أصبح سيد نفسه؟ بلى، ذلكم هو المعتقَد والمرتجى. لكنه في الوقت ذاته أصل الداء وأسُّ البلاء. فنَفْيُ المطلق وادعاء السيادة هو مَكْمَنُ المصائب. إذ لمَّا كان جوهر الديمقراطية هو سيادة الشعب، حتى إنه “كلما حاولت السلطة تأكيد شرعيتها بالاستناد إلى العُرف، وحق التغلب والإرادة الإلهية، زالت الديمقراطية”[37]، لَمَّا كانت الديمقراطية كذلك، كان الإنسان واقعا لا محالة في الحيرة، محكوما عليه بالشقاء، طالما أن قدرته البشرية أضعف من أن تعصمه من الجهل والانحراف. يقول “تورين” مؤكدا هذا الأمر: “طيلة قرون متعددة ونحن نربط الديمقراطية بالتحرر من ظلمات الجهل، وبالاستقلال عن التقاليد والقانون الإلهي، بفضل العقل والنمو الاقتصادي وسيادة الشعب. أردنا أن نُفَعِّلَ المجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة، ومقتضيات المعرفة… لكن زمن الحيرة والخوف حل بيننا باكرا. ألم يصبح المجتمع، وقد تحرر من ضعفه عبداً لقوته وتقنياته وأجهزة السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية؟”[38]. هذا مآل السيادة كما صوَّرَهُ “تورين”.


“يبدو أن أفق الممارسة أضيق فعلا من أفق النظرية”، كما يقول شتراوس[39]. فما تدعيه الديمقراطية من تكريم للإنسان وتحرير له من جميع السلط على مستوى التنظير والفكر، سرعان ما ينكشف تهافته، فيهوي إلى القعر تحت ضربات الواقع العنيفة. فتنقلب الحرية إلى عبودية، وتغدو “العدالة من صنع الأقوياء” (نيتشه)، وإذا الأخلاق كلها نسبية، والحق يقوم على المنفعة والقوة (ماكيافيلي). وإذا بالإنسان قد غدا ذئبا للإنسان (هوبز). إن «فكرة “سيادة الشعب” إعلان عن ميلاد الحداثة السياسية، وانقلابٌ جعل السلطة من صنع الإرادة البشرية، لا تكليفا إلهيا، ولا خضوعا لعرف أو لطبيعة الأشياء»[40].


ولكن، إذا كان إخفاق الفلسفة السياسية الحديثة مَرَدُّهُ -في نظر شتراوس- إلى القطيعة مع فلسفة القدامى، فهل يكون نجاحها بتجديد الصلة بالفلسفة الكلاسيكية والعبِّ من معينها؟


إننا لنتساءل في نهاية هذا المبحث عن معنى هذا الالتفات إلى الوراء، هل هو مجرد حنين رومانسي وعاطفة جياشة لا تقاوَم؟ هل هو نكوص ورجوع القهقرى بدل إبداع فكر جديد يناسب تحديات عصر جديد؟


ذلك ما نأمل الإجابة عليه في المبحث الموالي








المبحث الثالث: مأزق الحداثة


لقد اختار شتراوس أن يجعل قِبلته صوب القدامى ليفتح الحداثة على رهانات لم يعد لها طعم في زمن الحداثة. رفض شتراوس مشروع “الأنوار” وتبنى المفهوم الكلاسيكي الذي يقوم على تصور تراتبي للكون، حيث لا وجود للفرد المستقل بذاته، المستغني عن باقي جنسه. تَوَجَّهَ شتراوس نحو القدامى لا لكي يبدأ اقتحام العقبة من جديد، وإنما ليُشعِر الحداثيين بقِصَر نظرهم. ذلك أن الحداثة لا تستمد ثقتها في نفسها إلا من خلال القطيعة مع الفكر القديم، فهي مقياس نفسها[41]. قصد شتراوس إذن نزع صفة الإطلاق عن الفكر الحديث وتسليط الضوء على ظرفي الزمان والمكان، ككابِحَيْن لنرجسية رافضة للآخر، ومُعَبِّرة عن أنوية حضارية مستعلية.


يؤكد “فريديريك تيليي” أن مشروع شتراوس الفكري ينبغي أن يُفهَم على أنه رغبة في كسر طوق الحداثة، ومجابهة أجوبتها النهائية بسؤال القدامى الدائم: السؤال السياسي، الذي يوجد في قلب المواجهة بين القدامى والمُحْدَثين. لقد تمحور النقاش منذ القديم حول موضوع المواطن الصالح والمجتمع المثالي، ليشغل الموضوع السياسي المساحة الكبرى في الحياة الإنسانية. إنه صدى الحركة التلقائية للطبيعة البشرية[42].


شعر شتراوس بعمق الأزمة التي يتخبط فيها الغرب، وأدرك تمام الإدراك أن أزمة الحضارة الغربية المعاصرة أزمة خلقية. فبعد أن استبدلت الحداثة العلم بالإله[43]، كان عليها أن تصنع أخلاقا أرضية وتوجِدَ دين المعنى[44]. ولكن الديانات الجديدة عجزت عن إثبات قدسيتها، ومن ثم لم تسلم من النقد والتجاوز، ولم تمنع الإنسان الغربي من التنقل بين آلهة متعددة من صنع يديه. وهنا مأزق الحداثة الذي كان شتراوس يروم تجاوزه، لكي تُبعَث الفلسفة السياسية من جديد.


أخذت استراتيجية المواجهة مع الفكر الحداثي عند شتراوس بعدين اثنين: بُعد إثبات وبُعد نفي. تَمثَّلَ الأول في إعادة الاعتبار للقيم الخلقية، وتمثل الثاني في نفي مركزية الإنسان الكونية المزعومة.


أ- إعادة الاعتبار للقيم الخلقية:


إذا كان “نيتشه” يُقَسِّمُ الأخلاق إلى أخلاق سادة وأخلاق عبيد، فإن شتراوس قسَّمَها إلى أخلاق أرضية وأخلاق سماوية، مع تأكيد البَوْن الشاسع بينهما. فالإنسان غير قادر على إدراك الخير والفضيلة دونما حاجة إلى تسديد الوحي. فمن الخطإ أن يُجعَل الشيطان والإله في رتبة واحدة كما أراد ذلك فيبر (Weber). والقيمُ المُسدِّدَةُ هنا هي قيم السماء لا قيم الأرض. ولئن كان الغرب قد كسب العلم بواسطة القيم الأرضية، فإنه خسر الإنسان. فلا بد إذن من القيم الخلقية والجمالية التي تجعل من الإنسان إنسانا بالعمق بعد أن جعل منه العلم والمال إنسانا بالطول والعرض[45].










ب- نفي مركزية الإنسان الكونية:


ليس الإنسان عند شتراوس سيد الطبيعة ومالكها كما ادعى ذلك ديكارت، بل هو عنصر من هذا البناء العظيم. ولا يستقل بنفسه ولا يكتمل إلا بأشياء خارجة عنه، فالإرادة البشرية قاصرة ومحدودة. ومن ثم فلا يمكن أن يتسامى الناس إلا إذا تطلعوا إلى مثل أعلى وحلقوا بأبصارهم في أجواء عالية[46]. أما حين يتوهم الإنسان أنه أصبح مركزا للكون وسيده المطلق، فليس من الغريب أن يسعى إلى “تحويل قيم العالم وترتيبه على مقياسه”، كما طمح إلى ذلك “ألكسيس كاريل” (Alexis Carrel)[47]. وليس من الغريب أيضا أن يدعي القدرة على قيادة البشرية تارة باسم البيولوجيا[48]، وطورا باسم التكنولوجيا الحيوية[49]، وأخرى باسم نظام ليبرالي مرتكز على السوق وعلى حقائق لا غبار عليها، تنتمي إلى الطبيعة وقد صارت هي الإله[50].


من الواضح أن شتراوس كان يستهدف من خلال هذين البعدين الرد على دعاة الديانات الجديدة، والدغمائيين من ذوي النزعة العلموية المتطرفة التي اختزلت الإنسان في بُعدِه المادي. كان شتراوس يسبح ضد التيار وهو يعلي من شأن القيم الخلقية في عصر ألَّه العقل واتخذ العلم دينه الجديد، الكفيلَ بتجاوز أزمات العصر[51]. كما كان يحفر في المنطقة الصخرية وهو يدعو الحداثيين السياسيين إلى الوعي بمحدودية الكائن البشري، وبحاجته إلى وحي السماء وتعاليم الدين.


إن الحداثة، واعيةً بحقيقة المأزق الذي صارت إليه، تأبى أن تُسْلِمَ القيادة لغير الإنسان وإمكاناته البشرية وإن تَكُ هذه محدودة أو قاصرة. تُصِرُّ الحداثة على موقفها هذا ولسان حالها يقول: “إن كان الدين القديم هو الطبيعة فإن الدين الجديد هو الإنسان”[52]. وكأنها بذلك ترى في اشتداد الأزمة علامة الانفراج.


عرفنا في هذا المبحث أن شتراوس توجه نحو القدامى ليجعل الموضوع السياسي بكل أسئلته المحرجة، الحكم الفصل بين الفلسفة السياسية الكلاسيكية والحداثة السياسية. ووقفنا على تحديد سبب المأزق الحداثي في إعطاء الغرب الأولوية للقيم العقلية وتهميش القيم الخلقية، واعتبار الإنسان مركز الكون وسيده المطلق، وكائنا قائما بذاته، موصوفا بالاستقلال والكفاية. وننتقل الآن إلى خاتمة البحث لِنُجْمِلَ نتائج الدراسة ونفتح آفاقا للنقد.




نتائج محصلة وآفاق نقدية


نورد في خاتمة هذا البحث شهادة لأحد المشتغلين بالفلسفة السياسية في حق “ليو شتراوس”، نضع من خلالها أصبعنا على مواطن التجديد عند الفيلسوف الكلاسيكي المعاصر. وذلك قبل أن ننتقل إلى تسجيل بعض التأملات على ضوء ما مر بنا من نقد صريح للفلسفة السياسية الحديثة على يد “ليو شتراوس”، وبعض من ذكرنا من داخل المنظومة الغربية نفسها. نقدٌ كشف عقم هذه الفلسفة، وعكس أزمة الليبرالية ومأزق الفكر الحداثي.


يقول “ألان رونو” في شهادته: “ليو شتراوس من الفلاسفة القلائل الذين سجلوا -في عصر شهد هيمنة العلوم الاجتماعية- تراجع الفلسفة السياسية، ومن الذين اعتبروا الوضعية بوصفها مظهرا من مظاهر الثقافة، من الأسباب التي عَجَّلت بهذا الانحطاط. لذلك وجب الاعتراف بالجميل لشتراوس، رغم أن أهم الاتجاهات في الفلسفة السياسية حاليا لا يبدو أنها امتداد لفكره. لقد حَمَّلَ شتراوس الحداثة السياسية مسؤولية خطأ فادح، ذلك هو عُدُولها عن مطابقة نظام المدينة وإعطاؤها الأولوية للقيم العقلية والإرادة البشرية…مُقْصِية لأي مَثَل ينبغي أن يُحتذى. لإحياء الفلسفة السياسية إذن -في نظر شتراوس- لا بد أولا وقبل كل شيء من إخراجها من مأزق الحداثة، والاهتمام بماضيها اليوناني أو العِبري”[53].


تلتقي هذه الأفكار في تقويم المشروع الشتراوسي مع أفكار فريديريك تيليي (Frederic Tellier) وآرائه في الموضوع، يقول تيليي: “إن المشروع الفكري الحديث، كما حلله شتراوس في كتابه “الحق الطبيعي والتاريخ” على الخصوص -يكمن في هذه النظرة التي تُخضع موضوعها لمقاييسها الخاصة، ومن قدرة المشروع على اقتراح ما لا نهاية من التعاريف الممكنة حول الطبيعة البشرية. تعاريف لا حصر لها، شاهدة كلها على لا مبالاة الفكر الحديث تجاه الموضوع (أي الطبيعة البشرية). إن الحداثة تؤمن بنسبية الأشياء إيمانها بنسبية الفلسفة، إنها تُعدد الأجوبة وتقصي التساؤل[54].


نقف عند هذا الحد لنرتب وجهة النظر هذه في العناصر الآتية[55]:


•· إن طموح شتراوس يرمي إلى إعادة طرح التساؤل الفلسفي حول الموضوع السياسي.


•· فلسفة شتراوس تدعو الإنسان إلى تقويم نفسه باعتماد مقاييس خارجة عنه، أي ليست من صنعه.


•· إنها فلسفة تفسح المجال لتنوع الفعل البشري وتحتضن الاختلاف دون الوقوع في النسبية.


•· تجلى طموح شتراوس أخيرا، في حماية المجتمع من الأفكار التي تنفي -بدعوى الموضوعية- أن يكون الموضوع السياسي قادرا على الجمع بين الإنسان وطبيعته.


ثم إن ما يتحصل من الفلسفة السياسية لشتراوس لذو أثر بالغ الأهمية. نذكر من ذلك:


•- إمكان قيام نظام مثالي على أساس من الدين وهداية الوحي.


•- التعارض بين السياسة والأخلاق، المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، الفرد والمجتمع، المجتمع والدولة، الطبيعة والعقل، أحكام القيمة وأحكام الواقع، تعارض مزعوم.


•- الحق والعدل وباقي القيم الأخلاقية، حقائق موضوعية سامية، لا وضعية ولا تاريخية.


•- القانون الوضعي يُشتق من القانون الطبيعي.


•- الفلسفة السياسية تستوعب أحكام القيمة كما تستوعب أحكام الواقع، ولا تقوم إلا بهما.


•- أزمة الحداثة كامنة في إقصائها للدين والمراهنة على الإنسان (والإنسان وحده) في فك ألغاز الطبيعة ومعرفة أسرار الوجود، بل وفي خلق الكون الذي يريد.


تلكم مجموعة استنتاجات سجلناها هنا قصد تقريب فلسفة شتراوس السياسية، والكاشفة في الآن نفسه عن تحفظاته ومؤاخذاته للفلسفة السياسية الحديثة، بما يرفع فلسفته السياسية من مستوى النقد إلى مستوى النقض.


وأما بعد، فإن المنهج العلمي السليم يقتضي إعادة النظر في مفاهيم وأطروحات زخرت بها الفلسفة السياسية الحديثة، وطبعت تاريخها دون مبرر تاريخي مقنع ولا دليل علمي داحض. مفاهيم كرست وجودها على امتداد هذا التاريخ حتى صارت مسلمات وليست كذلك. من ذلك:


•- حالة الطبيعة وحالة المجتمع[56].


•- التعاقد الاجتماعي، والأسئلة التاريخية بشأنه كثيرة ومتنوعة.


•- الشيء نفسه يقال عن مسألة منشأ السلطة وأصل الدولة.


أما أفكار فلاسفة الأنوار التي شكلت دعائم الفلسفة السياسية الحديثة على اختلافها وتضاربها أحيانا كثيرة، فتصطدم بإشكالات منهجية وموضوعية جمة. من بين هذه الأفكار:


أ- عَزْوُ ظهور المجتمع المدني إلى مبدأ المِلكية الخاصة (كما الأمر عند روسو).


ب- اعتبار ميلاد المجتمع ميلادا للشر (روسو).


ﺠ- وضع المجتمع المدني في مقابل الدولة.


د- التسليم بحصول التناقض بين المجتمع المدني والمجتمع الديني (حيث يرتفع أحدهما كلما وقع الآخر).


ﮪ- التعارض المزعوم بين قانون الطبيعة والأخلاق.


و- تغييب معنى الفطرة ونفي إمكان قيام العدل والحق، والتشريع عموما، على ما يوافقها[57].


ز- الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، أو ثنائية مملكة السماء ومملكة الأرض.


ﺤ- استشكال مسألة “الحرية والتلقي عن الوحي”.


هذه بعض مسائل لا تسلم الفلسفة السياسية من الخوض فيها، مسائل تحتاج إلى نظر يتوسل بمناهج علمية، بعيدا عن التخمينات والفروض.


الهوامش:






[1] – ينظر:


Strauss (leo), Droit naturel et histoire, traduit de l’anglais par Monique Nathan et Eric de Dampierre, Plan, Paris, 1954.


[2] – Touraine (Alain), Qu’est-ce que la démocratie?; Fayard, 1994, p: 12.


[3] – Strauss (leo), De la tyrannie, trad. Hélène Kern, Gallimard, 3ème édition. 1954, p: 45.


[4] – Lecourt (Dominique), Le paradoxe moderne de l’éthique, Magazine littéraire (hors série), 1996, p: 114.


[5] – Strauss (leo), De la tyrannie, op. cit, p: 43.


7 – Ibid, p: 43.


[7] – Ibid, p.p: 42-43.


[8] – “La définition de l’injustice n’est d’autre que la non exécution des conventions”, Hobbes (Thomas), Léviathan (De l’homme), éd.Sirey, 1971, p: 143.


[9] – Manent (Pierre), Naissances de la politique moderne (Machiavel – Hobbes – Rousseau), Payot, Paris, 1977, p: 43.


[10] – Tellier (Frédéric), Leo Strauss: La centralité du politique, Magazine littéraire, N°380, Octobre 1999, p: 38.


[11] – Elements Of law, Pt: I, ch.10, p: 8, d’après Pierre Manent, op. cit, p: 78.


[12] – Ferry (Luc), Le sacré à visage humain, Magazine littéraire (hors série), 1996, p: 108.


[13] – Loc. Cit.


[14] – Manent (Pierre), Op. cit, p: 9.


[15] – Ibid, p: 15.


[16] – “We do not hesitate to assert, as very many have asserted before us, that Mchiavelli’s teaching is immoral and irreligious”. Strauss (Le), Thoughts on Machiavelli, University of Washington Press, 1958, p: 12.


[17] – أخذا عن:


Ben Achour (Yadh), L’Etat Nouveau et la philosophie politique et juridique occidentale, imprimerie officielle de la République Tunisienne, 1980, p: 66.


[18]- Ibid, p: 67


[19] – حوار مع “ألان رونو” في مجلة:


Magazine littéraire, n° 380 Octobre 1999, par Frédéric Martel.


[20] – Allan Bloom in Leo Strauss (Political Theory, Nov 1974) d’ après Pierre Manent, op. cit, p: 8.


[21] – Loc. Cit.


[22] – ينظر بيرك (Burke) في فصل “أزمة الحق الطبيعي الحديث”، من كتاب “الحق الطبيعي والتاريخ”، ليو شتراوس، مرجع مذكور.


[23] – Touraine (Alain), Que’ est-ce que la démocratie?; Fayard, 1994, p: 120.


[24] – Loc. Cit.


[25] – Aron (Raymond), Essai sur les libertés, Calmann-Lévy, Paris, 1965, p: 17.


[26] – Ibid, p: 19.


[27] – Berlin (Isaiah), Mon parcours intellectuel, Esprit, Jan 1999, n° 249, p.p: 19-20.


[28] – Droit Naturel et Histoire, Paris, Plon, 1954.


[29] – تكوين الدولة، ترجمة حسن صعب، دار العلم للملايين، 1966، ص: 524.


[30] – Rawls (John), Théorie de la justice, traduit de l’américain par Catherine Audard, éd. Seuil, Paris, 1987, p: 91.


[31] – Strauss (Leo), op. cit, p: 293.


[32] – Berlin (Isaiah), op. cit, p: 27.


[33] – Dupuy (Jean-Pierre), L’économie pense-t-elle?, Magazine. L(Hors série), 96, p: 60.


[34] – Aron (Raymond), op. cit, p: 17.


[35] – Strauss (Leo), op. cit, p: 310.


[36] – Berlin (Isaiah), op. cit, p: 27.


[37] – Touraine (Alain), op. cit, p: 12.


[38] – Ibid, p: 9.


[39] – Strauss (Leo), op. cit, p: 319.


[40] – Touraine (Alain), op. cit, p: 115.


[41] – Tellier (Frédéric), Leo Strauss: La centralité du politique, Magazine L., n° 380 Oct 1999, p: 38.


[42] – Loc. cit.


[43] – Touraine (Alain), Critique de la modernité, Fayard, 1992, p.p: 23-24.


[44] – Carrel (Alexis), L’homme cet Inconnu, Plon, p: 368.


[45] – محمود (زكي نجيب)، تجديد الفكر العربي، دار الشروق، ط7، 1982، (فصل: فلسفة عربية مقترحة).


[46] – Carrel (Alexis), op. cit, p: 362.


[47] – Ibid, p: 368.


[48] – تساءل “بيير تويليي” (Pierre Thuillier) في كتابه “هل سيمسك البيولوجيون بالسلطة؟” (Les biologistes vont-ils prendre le pouvoir?)


“هل صحيح أن البيولوجيا هي مفتاح الطبيعة البشرية؟ وإذا كان ذلك صحيحا، فهل يحق للبيولوجيين أن يملوا على البشرية قواعدهم الأخلاقية؟” [أخذا عن كتابه L'aventure industrielle et ses mythes", éd. Complexe, p: 184"].


[49] – نجد هذا عند فوكويوما الذي كتب يقول: “إن الطابع المفتوح لعلوم الطبيعة المعاصرة يسمح لنا أن نتوقع، من هنا فصاعدا إلى الجيلين المقبلين، بأن التكنولوجيا الحيوية ستمنحنا الأدوات التي ستنجز ما عجز عنه اختصاصيو الهندسة الاجتماعية. في هذه المرحلة نكون قد انتهينا نهائيا من التاريخ البشري لأننا نكون قد قضينا على الكيانات البشرية ككيانات، وعندئذ يبدأ تاريخ جديد ما بعد البشري”. الثقافة العالمية، العدد 98، يناير-فبراير 2000، ترجمة المنصف الشنوفي، ص: 8، عنوان المقال: عشر سنين على نهاية التاريخ.


[50] – المكان نفسه.


[51] – نجد هذه النزعة العلموية سافرة عند ألكسيس كاريل المعاصر لشتراوس، وهو إن كان قد أحسن في تشخيص أزمة الغرب المعاصرة، فإنه لم يستطع الانفلات من أسر المنظومة الثقافية الغربية. يدل على ذلك قوله: “لأول مرة في تاريخ العالم تستطيع حضارة تُحتضر أن تبصر أسباب شقائها. ربما ستعرف كيف تستفيد من هذه المعرفة وتجتنب بفضل العلم (قوة العلم العجيبة)، المصير المشترك للأمم السابقة الكبرى. على هذا الطريق الجديد يجب أن نتقدم من الآن”. يضاف إلى هذا كلامه عن “مجموعة العلماء” الكفيلة بإعادة بناء الإنسان وقيادة الحضارة. (ينظر أكسيس كاريل، مرجع سابق، ص: 369).


[52] – Ben Achour (Yadh), op. cit, p: 170.


[53] – حوار مع “ألان رونو”، مرجع سابق، ص: 20.


[54] – Op. cit, p: 38.


[55] – Ibid, p: 39.


[56] – ناقش كلود ليفي شتراوس هذه المسألة في كتابه “البُنى الأولية للقرابة”، وكذلك فعل روسو في كتابه “أصل التفاوت بين الناس”.


[57] – تساءل “باتيفول” عن كيفية درء التعارض بين القانون الذي هو مجموعة قواعد منصوص عليها من السلطة العمومية والأخلاق التي هي مجموعة قواعد منصوص عليها من ضمير الفرد: لماذا يضع المشرع قواعد لا تتوافق إلا جزئيا مع القواعد الأخلاقية؟ [أقول: بل وقد تتناقض معها أحيانا كثيرة]. ينظر:


Batiffol (Henri), La philosopqie du droit, PUF, 5ème éd, 1975, p: 112

هناك تعليق واحد: